فصل: تفسير الآية رقم (136):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآية رقم (129):

{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129)}
{وَلَن تَسْتَطِيعُواْ} ومحال أن تستطيعوا العدل {بَيْنَ النساء ِ} والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم، لأنّ تكليف ما لا يستطاع داخل في حدّ الظلم {وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول «هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» يعني المحبة؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه. وقيل: إن العدل بينهن أمر صعب بالغ من الصعوبة حداً يوهم أنه غير مستطاع، لأنه يجب أن يسوّي بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه، فهو كالخارج من حدّ الاستطاعة. هذا إذا كن محبوبات كلهن؛ فكيف إذا مال القلب مع بعضهن {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل} فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضاً منها، يعني: أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة؛ فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله. وفيه ضرب من التوبيخ {فَتَذَرُوهَا كالمعلقة} وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال:
هَلْ هِيَ إلاّ حَظَّةٌ أَوْ تَطْلِيقْ ** أوْ صَلَفٌ أَوْ بَيْنَ ذَاكَ تَعْلِيقْ

وفي قراءة أبيّ: فتذروها كالمسجونة. وفي الحديث: «من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل.»
وروى أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال، فقالت عائشة رضي الله عنها: أإلى كل أزواج رسول الله بعث عمر مثل هذا؟ قالوا: لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره، فقالت: ارفع رأسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه. فرجع الرسول فأخبره، فأتم لهن جميعاً وكان لمعاذ امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد {وَإِن تُصْلِحُواْ} ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة {وَتَتَّقُواْ} فيما يستقبل، غفر الله لكم.

.تفسير الآية رقم (130):

{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)}
وقرئ: وإن يتفارقا، بمعنى وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه {يُغْنِ الله كُلاًّ} يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه. والسعة الغني. والمقدرة: والواسع: الغني المقتدر.

.تفسير الآيات (131- 133):

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133)}
{مِن قَبْلِكُمْ} متعلق بوصينا، أو بأوتوا {وإياكم} عطف على الذين أوتوا {الكتاب} اسم للجنس يتناول الكتب السماوية {أَنِ اتقوا} بأن اتقوا. وتكون أن المفسرة، لأنّ التوصية في معنى القول: وقوله: {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ} عطف على اتقوا: لأنّ المعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله. والمعنى: إن لله الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم أصناف النعم كلها، فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصيّ. يتقون عقابه ويرجون ثوابه. ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من الأمم السالفة ووصيناكم أن اتقوا الله، يعني أنها وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده، لستم بها مخصوصين، لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة في العاقبة، وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويعبده ويتقيه {وَكَانَ الله} مع ذلك {غَنِيّاً} عن خلقه وعن عبادتهم جميعاً، مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد منهم وتكرير قوله: {للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض} تقرير لما هو موجب تقواه ليتقوه فيطيعوه ولا يعصوه، لأن الخشية والتقوى أصل الخير كله {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} يفنكم ويعدمكم كما أوجدكم وأنشأكم {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} ويوجد إنساً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين غير الإنس {وَكَانَ الله على ذلك} من الإعدام والإيجاد {قَدِيراً} بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده، وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره. وقيل: هو خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب. أي: إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه.
ويروى: أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان وقال: «إنهم قوم هذا» يريد أبناء فارس.

.تفسير الآية رقم (134):

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)}
{مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا} كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة {فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والأخرة} فماله يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما، لأن من جاهد لله خالصاً لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيء. والمعنى: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط.

.تفسير الآية رقم (135):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)}
{قَوَّامِينَ بالقسط} مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا {شُهَدَاء للَّهِ} تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم.
فإن قلت: الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول: أشهد أن لفلان على والديّ كذا، أو على أقاربي. فما معنى الشهادة على نفسه؟ قلت: هي الإقرار على نفسه، لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها. ويجوز أن يكون المعنى: وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو على آبائكم وأقاربكم، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره {إن يَكُنْ} إن يكن المشهود عليه {غَنِيّاً} فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه {أَوْ فَقَيراً} فلا تمنعها ترحماً عليه {فالله أولى بِهِمَا} بالغني والفقير أي بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما، ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها، لأنه أنظر لعباده من كل ناظر.
فإن قلت: لم ثنى الضمير في (أولى بهما) وكان حقه أن يوحد، لأن قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً} في معنى إن يكن أحد هذين؟ قلت: قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً} لا إلى المذكور، فلذلك ثنى ولم يفرد، وهو جنس الغنيّ وجنس الفقير، كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الغنيّ والفقير، أي بالأغنياء والفقراء، وفي قراءة أبيّ: فالله أولى بهم وهي شاهدة على ذلك.
وقرأ عبد الله: {إن يكن غني أو فقير}، على (كان) التامة {أَن تَعْدِلُواْ} يحتمل العدل والعدول، كأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى، كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ} وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها. وقرئ: {وإن تلوا أو تعرضوا}، بمعنى: وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها {فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وبمجازاتكم عليه.

.تفسير الآية رقم (136):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)}
{ياأيهالذين ءَامَنُواْ} خطاب للمسلمين. ومعنى {ءامَنُواْ} اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه {والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ} المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب، والدليل عليه قوله: {وَكُتُبِهِ} و قرئ: {وكتابه} على إرادة الجنس. وقرئ: {نزل}. {وأنزل}، على البناء للفاعل. وقيل: الخطاب لأهل الكتاب، لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض.
وروي: أنه لعبد الله بن سلام، وأسد وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلام بن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزيز ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال عليه السلام: «بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله، فقالوا: لا نفعل، فنزلت، فآمنوا كلهم». وقيل: هو للمنافقين، كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً.
فإن قلت: كيف قيل لأهل الكتاب {والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ} وكانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل؟ قلت: كانوا مؤمنين بهما فحسب، وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب، فأمروا أن يؤمنوا بالجنس كله، ولأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيماناً به، لأن طريق الإيمان به هو المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه علم أنهم لم يعتبروا المعجزة، فلم يكن إيمانهم إيماناً. وهذا الذي أراد عز وجلّ في قوله: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً} [النساء: 150].
فإن قلت: لم قيل (نَزَّل على رسوله) و(أنزل من قبل)؟ قلت: لأن القرآن نزل مفرّقاً منجماً في عشرين سنة، بخلاف الكتب قبله، ومعنى قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بالله} الآية، ومن يكفر بشيء من ذلك {فَقَدْ ضَلَّ} لأن الكفر ببعضه كفر بكله. ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعاً.

.تفسير الآية رقم (137):

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137)}
{لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} نفي للغفران والهداية وهي اللطف على سبيل المبالغة التي تُعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفي ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت. والمعنى: إنّ الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردّة، وكان الإيمان أهون شيء عنده وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، لأنّ ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على شرِّ حال وأسمج صورة. وقيل: هم اليهود، آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى. ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

.تفسير الآيات (138- 139):

{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)}
{بَشّرِ المنافقين} وضع (بشر) مكان: أخبر، تهكماً بهم. و{الذين} نصب على الذمّ أو رفع بمعنى أريد الذين، أو هم الذين. وكانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود. {فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال: {وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].

.تفسير الآيات (140- 141):

{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)}
{أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ} هي أن المخففة من الثقيلة. والمعنى أنه إذا سمعتم، أي نزل عليكم أنّ الشأن كذا والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها، و(أن) مع ما في حيزها في موضع الرفع ب (نَزَّل)، أو في موضع النصب ب (ننزّل)، فيمن قرأ به. والمنزل عليهم في الكتاب: هو ما نزل عليهم بمكة من قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68] وذلك أن المشركين كانوا يخضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤون به، فنهى المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه. وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة. وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم إنكم إذاً مثل الأحبار في الكفر {إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين} يعني القاعدون والمقعود معهم.
فإن قلت: الضمير في قوله: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} إلى من يرجع؟ قلت: إلى من دل عليه {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} كأنه قيل: فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها.
فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضي بالكفر كافر.
فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم، فكان ترك الإنكار لرضاهم {الذين يَتَرَبَّصُونَ} إما بدل من الذين يتخذون وإما صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم {يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} أي ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم {وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين} بأن ثبطناهم عنكم. وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبكم ومرضوا في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيباً لنا بما أصبتم. وقرئ {ونمنعكم} بالنصب إضمار أن، قال الحطيئة:
أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِي ** وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ

فإن قلت: لم سمى ظفر المسلمين فتحاً، وظفر الكافرين نصيباً؟ قلت: تعظيماً لشأن المسلمين وتخسيساً لحظ الكافرين؛ لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه، وأمّا ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنيّ ولمظة من الدنيا يصيبونها.